كيف تقضي الوقت لوحدك
في المدن التي تستحث الوحدة - لكنها تمنحك عوائد العزلة.
"دليل إرشادي"
توطئة
في مدن عصرنا الحديث، تلك المكتظة بالملايين من البشر، أحد أعظم وأندر المتع هي العثور على العزلة، سواءً في قطار الأنفاق أو في السينما أو في كشك مواجه للحائط. لكن كونك وحيداً فيما يحيط بك الكم الكبير من الآخرين والذين يحملون في دواخلهم رغبات في أن يكونوا في كوخ بالغابة. إن لهذا معنىً أن تكون ناسكاً أقل وامرءاً بشخصيات متعددة أكثر. وهذا أيضا يفرز نوعاً مختلفا من القلق. هناك في الريف، قد تسمع أصواتاً في الظلمة. هنا في المدينة، قد تشعر ربما أن ضوء مصباح كليغ يلاحق كل خطواتك (مصباح كليغ هو مصباح سمي باسم مخترعه ويستخدم لتسليط الأضواء على الأشياء في التصوير السينمائي). ببساطة فإن طلبك لطاولة جلوس لشخص واحد قد يشيع معه شعوراً بالقلق؛ يشعر الناس كما لو أنهم يحدقون؛ أنت منفرد بأفكارك (كأنك في الواقع تدفع من جيبك للنادل في المقهى) بينما تضج المدينة من حولك. أن تكون وحيداً هنا هي حالة ذهنية، اختيار أبدي، وفريضة عارضة مقتضية، حِمل، وهدية –وأحيانا تكون أفضل طريقة للتعرف إلى رفيق غريب. "كل أشكال التعبيرية البشرية يجري استعراضها،"كما تكتب فيفيان غورنيك عن المشي لوحدها في الطرقات: "وأنا حرة في النظر في وجهها، أو إشاحة عيني عنها إذا أردت." المدن لا تختلف كثيراً عن كل المدن الأخرى في العالم، والبشر في الواقع، هم البشر، أنا وأنت وهذه وتلك، من هنا جاءت ترجمة هذا الدليل.
تقول إحداهن، بعد أن رُزقت بابنتي في العام 2009، نادراً ما كنت لوحدي، باستثناء الساعة التي أستقل فيها المترو في ذهابي وعودتي، أسابق من أجل مقعد لي في المترو مع الغرباء: ذاك الوقت على متن القطار كان لي. ليس هناك ما يُتوقع مني القيام به؛ لم تكن هنالك ما يُقال، لا رسائل نصية أو بريد إلكتروني أو اتصالات هاتفية واردة. بوسعي أن أقرأ، بلا هدف أو بهدف الاستمتاع. بوسعي أن أختلس السمع لأحاديث الآخرين من حولي. بوسعي التمعن بالدعايات المجازية التجميلية المتزايدة باضطراد، والتي تتنوع صورها التعبيرية، أو تلك اللوحات غير الفعالة التي تحاول أن تلتمس مراعاة الآداب العامة في المترو. إنه من الحماقة أي كان ما ينتهي بي المطاف أن أقوم بالشيء الجذاب بالنسبة لي. أن أشعر بالوقت ينتهي مسروقاً، مثل شيء لم يحدث لي من قبل، وفي الحقيقة كان العكس: قطرة مما كان مرة إمداداً مستقراً لم ألحظ أنه كان متوفراً لي حتى.
ويقول الآخر، في المنزل، على حين غرة، هنالك الكثير مما يخصني. رزمة فواتير غير مدفوعة للطبيب. صندوق ملابس أنسى دوماً أخذه لمركز التبرع. حتى كومات الغبار تتوالد مثل عائلة من الأرانب. انتهى هذا عندما بحثت في مواقع عروض الفنادق، أو عروض نهاية الأسبوع، وقمت بحجز بضع ليال في فندق يقع في حي لا أسكنه. إن خدمة السكن التشاركي مثل (Airbnb) ليست خياراً حيث كانت الفكرة هي الهروب من النمط الشخصي بالكامل، وليس الاسترخاء مع شخص غريب. في أول مرة، اخترت مركز مؤتمرات بشكل عشوائي، على بعد محطتين بالمترو عن شقتي؛ هناك، حتى أحلامي كانت مرتبة. في المرة اللاحقة، ذهبت إلى فندق ذي طراز أوروبي فخم، كان هنالك الحد الأدنى مما تريده فحسب: شراشف نظيفة، قطعة صابون بيضاء نظيفة، قهوة في ردهة الفندق. رتبت حقيبتي لتكون خفيفة لكن شاملة كل ما أحتاج. في هذه الحياة الجديدة، أجد ذاتي بشكل أفضل. وجود شخص يقوم بترتيب السرير يساعدني. أعمل بشكل على نحو مصطنع طوال الصباح، أخطف فرصة تناول الغداء، أقابل صديقاً. ليومين كانت زاوية في المدينة لا أعرفها تحت تصرفي. بعدها أعود لمنزلي منتعشاً.
آخر يقول، في الرابع من يوليو، عيد الاستقلال الأمريكي، لم أجد الرغبة في احتفالية كبيرة وكل زملائي ذهبوا إلى حفلات أخرى. قمت بتحميل ألبوم غنائي، والذي، أدهشني، أنني لم أقرر بعد أن أكون معجباً بالفرقة التي أصدرت الألبوم بعد، وذهبت بعدها إلى سطح العمارة، والذي كان يطل على النهر الشرقي في نيويورك، واستمعت لكامل الألبوم بينما كانت الألعاب النارية تملأ المكان. شعرت بشعور رائع. لم يكن الأمر مجرد تفرغ ذهني وجودي في الأعلى مع نفسي جعل الألعاب النارية تبدو مختلفة تماماً؛ خلافاً للصخب والهتاف إياه، كان الأمر، آه، جميلاً.
ويقول الآخر، ذكرت مرة في حفل على العشاء أنني لو عرفت بأني سأموت غداً، فسأكون على يقين بأنني لم أقم بكل شيء، وأنني لا أشعر بالرضا التام عن حياتي، ذلك لأنني حتى الآن لم تزل شوارع نيويورك، التي، عاجلاً أو آجلاً، تحمل تقريباً كل تعبير إنساني معروضاً فيها وأنا حر في أن أشاهد كل ذلك على نحو مباشر، لكنني لم أشهده، أو أن أشيح ببصري لو أردت، أن أدع فمي يغدو مفتوحاً من الدهشة، أن أتناول آيسكريماً، أو أتصل بالشرطة حسبما يتطلب مزاجي حينها. لا يوجد أي أحد يتبرم مني، أو يحرجني، أو يهددني. لا أحد يطالبني بالانتباه له أو أطالب أحدهم بأن ينتبه لي. أنا حر لأتوقف، لأرسم، أو أمضي إذا أردت، أستجيب أو أتقهقر، أرقب أو أشارك. لو ما كنت وحدي، لكنت في حوار مع رفيق. هذه الشوارع بوسعها أن تكون السياق والوضع إن شئت لمشاركة بعضنا القصة. وحيداً، فإن العالم من حولي يمثل كل من القصة والوضع.
يقول الآخر، ككل الرجال بعد الأربعين من العمر، أشعر بالحنين. هذه هي القاعدة الأبدية. كل رجل بمنتصف العمر يكلل نفسه كشاعر لأي شيء يشعر أنه قد يفقده. ابتياع تذكرة، وفشار؛ الجلوس إلى مقعد ناء وقريب في الوقت نفسه حتى يكون منعزلاً عنهم ومع ذلك يشعر بتوحد جسدي مع الجميع. هذه الزيارة المنفردة للسينما، تجعلني دوماً أقع في رومانسية المفارقة التاريخية. إن هذه عادة مهجورة. يتشكل الحشد، يبحثون عن الترفيه؛ التذكرة المنمنة المطوية في كف يدك؛ حتى وجود الشاشة يأتي بكل بواعث الحنين: ذهابي إلى السينما. الانتظار في الصف. لعل الجزء الرومانسي كان هو ما يأخذني بعيداً عن أن أكون وحيداً. وحيداً هو أمر رئيسي. تعرف كيف أن سيناترا يجعل من كونه منبوذاً قراراً للتعبير عن الإنسان الناضج الأنيق؟ الوحدة رائعة. الوحدة هي كيفية البدء وإلى ماذا نعود إليه. إنها ذات السفعة التي تتركها علينها المراهقة مسألة أن نكون منبوذين. يجدر بالفيلم الذي تحضره أن يظهر عالماً زال بريقه. والذي يضيف شعوراً بالفقد لذاتك. ومسرح صغير سيكون جيداً، ليس ممتلئاً عن آخره، ذاك الشعور بشغف الاستحواذ الباقي في الذهن. ويجب أن تكون قد تجاوزت الأربعين. كونك قد تجاوزت الأربعين، أظن، يساعد عينيك أن تتابعا إشعاع التوهج الحالم الذي تحاول القصة أن ترويه بطريقتها.
ويقول أحدهم، كل المكتبات التي جربت أن أعمل فيها أفلست. لكن المكتبة في الجمعية العامة للتجار والميكانيكيين في مدينة نيويورك، على بعد شارعين شمال مركز شرطة نيويورك، كانت مكتبة مختلفة، فيها ركام رسومات أولية، رسومات تخطيطية، أدلة كيفية القيام بالأشياء، والمعارف الصناعية (يوجد في المكتبة أول تقارير الجمعية السنوية من عام 1785م)، حُشيت كلها في شرفات فوق أفضل غرفة للقراءة (والكتابة) في المدينة. كانت غالباً خالية من الزوار، أو، بسبب تخصصها المهني، غالباً خالية من الشباب الآخرين الطموحين المتحضرين وهم يطبعون ذكريات على شاشات ملمعة لأيفوناتهم. جئت من أجل العزلة والبقاء مركزاً على الكراسي ذات الظهر القاسي، والطاولات غير المستقرة، وأجهزة التكييف المزعجة، والتناقض. والذي نقوله أن هذا المكان عملياً لا توجد فيه منافذ كهربائية لشحن أجهزة أبل تلك، إلا توصيلة سلك رمادية تظهر أحياناً، مثل ثعبان شارد، تحت الرف المقابل للجدار الغربي. في صباح قريب كنت أن الشخص الوحيد هناك؛ حتى أمينة المكتبة غادرت، للحظات. وعندما عادت ، سألتني، "أحدث شيء ما؟" أجبت "لاشيء." فقالت "تماما كما أحب أن تجري الأمور."
تقول تلك المرأة: كطفلة، كنت دوماً راغباً في المكوث في جزيرة كوني بعد أن يحل الظلام (تذكرت قصة موراكامي). مثلا، سأصنع أفعوانية في مدينة الملاهي تكون كراسيها موجهة إلى الخلف، حتى لا يرى الركاب وجهتهم. اليوم لا أحد لديه الوقت لينضم إلي في رحلاتي العفوية إلى حديقة لونا في أوقات غير مشهودة. مرة، أجبرت صديقي غير الراغب على ركوب أحد الألعاب معي، رضخ للأمر بصمت لأن عدم الرضا قد يؤثر على حياتنا الحميمية. لربما كنت مصيبة. لذا صار طقساً انعزالياً. بت دوماً معلّقة في ذلك المكان، اتنشق هواء البحر ممزوجاً برائحة المحار المقلي والاسفلت، الرهبة التي يبعثها مشهد كرنفال في نهاية أسبوع مملة، أجواء على التحديد تتطابق مع ذكرياتي. في بعد ظهيرة مماثلة، وقفت مرة قرب لعبة، بندول ضخم بمنصة دوّارة، حيث كانوا قد شغلوا اللعبة بلا أي أحد يمتطيها على الاطلاق، من هاهنا، فإن زيارة مدينة ألعاب قريبة بعيدة وحدك، بوسعهاً أن يفي بالغرض، غرض العزلة المرتقب، أن تكون أنت.
يقول رجل أيضاَ، بوسعي القول بأن العبارة التي تأخذك إلى جزيرة ستانسن هي متعتي الأعظم. فنحن في منهاتن نعيش حياة جزرية يومياً. لكنك لن تستطيع الإحاطة بذلك إلا عند مغادرتها. لقد استقللت العبارة بين الفينة والأخرى وأيضا بلا هوادة في عشرينياتي. عندما كنت فتياً واستعصى علي النوم، كنت أنام في أقصى أسفل الجزيرة، أستقل العبارة، أدخن، أتابع متأملاً نحو المياه، ثم أستقل العبارة التالية عائداً إلى المنزل. ودوماً كان هنالك تمثال الحرية بطريقة حميمية. في تلك الخلوة، الوطنية، التأملية. لم يكن الموضوع متعلقاً بمجرد قارب متوهج فحسب، إنما كانت البوابة الطريقة التي ترتبط بها نيويورك ببقية العالم. تتداخل الخطوط الدائرية وهي تحوم وتحوم، وفي الواقع إن سكان جزيرة ستانسن في طريقهم إلى أعمالهم. وذلك مما يزيد انعتاقي. لا أحتاج للذهاب إلى مدينة أخرى. بوسعي تبديد وقتي على سطح الماء هنا فوق العبارة. الطفو فوق الماء هو شأن حيواني، وتستمر مدينة في أن يكون لها إضافة للماء تعني أن نيويورك رائعة، كئيبة ومرغوبة. وهو بالضبط ما يطمح له شاعر أو ما يحلم به أي شخص. انعدام الانتفاع في حد ذاته بالعلاقة بين العبارة وهذه المياه هو حقاً، حقاً ما هو جيد.
وفي ملاحظة لاحد العابرين، يقول: "تزدحم حديقة متحف الفن الحديث بالناس، لكن هنالك تلك الكراسي الفردية التي بوسعك تغيير مكانها إلى زوايا أكثر هدوءً، يجري نهر بالجوار في حقل مزده بالذهب. الآن، يوجد لمتحف الفن الحديث مجسم سري في تلك الحديقة السرية: عند شجيرات غير مكتملة النمو هناك تمثال لامرأة وهي تحمي رأسها. قد يفوتك هذا الشيء المخبأ، انتبه. في بعض الأحيان، الازدحام يكون في داخل المتحف، والأهدأ تكون الحديقة: ملاذك على بعد خطوات."
يقول ذاك الرجل: "في أول وقت العصر، بعض المقاهي أقل ازدحاماً من غيرها، لذا فهذا هو مكاني للقراءة. أحد المقاهي له حديقة خلفية كبيرة، بالتالي فمن الثانية حتى الرابعة كل سبت وأحد، المكان ميت. بوسعك الاستمتاع بمشروبك، وليس بوسع أحد أن يضايقك."
قال لي: "كثيريون ليس بوسعهم فعل هذا، لكن مبنى الإمبايرستيت لا يغلق أبوابه حتى الساعة الثانية بعد منتصف الليل، ويغادر المصعد الأخير عند الواحدة وربع بعد منتصف الليل. لو صعدت إلى الأعلى، ستجد المكان خالياً، سترى جماله، ويموج صوت المدينة مثل محيط." جرب مثلاً أن تزور برج الفيصلية أو المملكة لو كنت بالرياض.
تقول تلك، "بعد التاسعة مساءً يبدو محل التسجيلات الصوتية مثل مدينة أشباح في أي يوم من أيام الأسبوع، يفتح أبوابه حتى الحادية عشرة مساءً، ولا أظن أن الناس يدركون ذلك. من السهولة أن يمضي الوقت بسرعة وأنت تتصفح المقاطع، وتجولك في الممرات يشبه تجولك في موقع إلكتروني مختص بالتسجيلات الصوتية، لكنك تتمرن في الوقت نفسه عبر الحركة الدؤوبة. في الزاوية، يوجد آلات موسيقية بوسعك العزف عليها."
وختاماً هاهنا، تلميحات من محترفي الوحدة
هاك كيفية انخراطي في عزلتي: "أضع سماعاتي في أذني، معي هاتفي، وأتظاهر موحياً بأنني أعمل. وأرتدي كثيراً قمصان بولو زرقاء اللون الداكنة، وأتجنب اللباس الزاهي الباهي."
وهاك كيفية اختلاس السمع: "يتوجب عليك دوماً المحافظة على أن تكون بعيداً عن مرمى البصر، لكن عوضاً عن الجلوس ظهرك إلى ظهورهم، اجلس ملتفتاً بزاوية 90 درجة، حتى تكون أذنك مواجهة للشخص الذي تريد أن تسمعه من بعيد يتحدث. بتوجيه أذنك إليهم، في خط مستقيم، ستجعل الأمر أسهل عليك لتسمع."
وهنا تلميح عن كيفية الذهاب إلى حفلة لا تعرف فيها أحداً: "سأتحدث إلى الأشخاص الوحيدين أيضا. كنت في حفلة عشاء مؤخراً بالبيت الأبيض، ورأيت توني رومو (لاعب أمريكي) واقفاً عند العصائر وحيداً، وارتأيت بأن لا يجدر بتوني رومو أن يقف هكذا لوحده هناك. فذهبت إليه، وانتهى الأمر بنا إلى التوافق حول أطفالنا وكيف أننا نكره شاشات مراقبة الرضع، ليس عندي حقيقة حديث لبدء الكلام، لكني غالباً ما أبدأ الحديث عن أي موضوع لثلاث دقائق في حفلة تعارف. بعد تلك الدقائق الثلاث، إذا لم ينجح الأمر أغادر المكان."
كيف تظهر أمام الجالسين الذين لا تعرفهم كما لو أنك مجرد شخصية خيالية في قصة: "لو أنك سمعت جدالاً في مسألة ما بالقرب منك وكنت على علم بالصواب فيها، فإن أنسب وقت للتدخل هو عندما يعترف أحد بأنه ملتزم جداً بخطأ قوله ومستمر بالجدال حوله. سأتلبث لبرهة ثم أقاطعهم بأسئلة تلاعبية بشأن الجدل الخاطئ، كمثل: أوه، حقاً، متى أقفل المطعم أبوابه؟ هل كنت هناك خلال الأشهر القريبة الماضية؟ هل تعلم بوجود مطعم آخر يحمل الاسم ذاته وكان قد أغلق أيضا؟، حتى يظهر تماماً أن هذا الشخص المجادل مخطئ. ثم، تبتعد، كأن تقول، انتهت مهمتي هنا، تابعوا ما كنتم تفعلون."
المصدر:
http://nymag.com/guides/everything/spending-time-alone/
