|
في الفيلم السينمائي الأخير للممثل الإيرلندي "كولن فيريل" وشريكته في البطولة الممثلة والمنتجة الأسترالية "مارجوت روبي" يغوص الاثنان في طيّات دواخلهم النفسية وأساس تكوينهم الذاتي في إطار فنتازي يديره بسلاسة تامة المخرج الأمريكي من أصول كورية "بارك جونغ إيان" والمعروف فنياً باسم "كوغونادا" وهو اسم مستعار اتخذه خلفاً لإعجابه بإسم كاتب السيناريو الياباني "كوغو نودا" وللمخرج "كوغونادا" مع بطل الفيلم "كولن فيريل" رصيد أفلام أخرى.
الرحلة التي يعنيها عنوان الفيلم تشير إلى تنقل ضمني في ثنايا قصة لقاء بطلي الفيلم الرمزية عبر الزمكان إن شئنا التعبير، وذلك في محاولة للسعي وراء فهم أفضل لدوافع كليهما في المضي قُدما على وجه البسيطة على أرض الواقع عموماً وفي علاقتيهما خصوصاً، ويتسلسل الحدث تلو الحدث تحت مشاهد طبيعية غامرة بالمطر وبمشاهد الغروب والأقمار المكتملة والطبيعة الهادئة تفنن في تصويرها المخرج في السفر بالمساهد عبر الطبيعة، كل ذلك بتوجيه افتراضي من دليل افتراضي تضيفه شركة إيجار السيارات التي أقلتها عبر الرحلة فيقودهما جهاز "جي بي إس" لمحطات تليها محطات يدلفونها فيها عبر أبواب مختلفة.
في الفيلم يختلط الواقع بالخيال على نحو يغمرك بتجربة فنية وحسية لمشاعر البشر الإنسانية لاسيما تلك التي تكون بين رجل وامرأة كلاهما يتناقضان ابتداءً من تعارفهما الأول ثم يلتم شملهما في آخر المطاف على خلاف النتيجة المتوقعة للتناقض الأولي وكـأنها إشارة إلى حتمية التكامل البشري كجسر نحو أرض النجاة.
من العناصر المشوقة في الفيلم أيضا كانت توظيف فكرة الباب، فكل محطة تفتتح بباب من ماضي أحد البطلين يسافر بهما إلى حدث جوهري في ماضيهما يجعل كل منهما يستعيد ذكرياته بعيشه من جديد كما لو كان واقعاً، وفي الأمر رمزية بحتة تشير إلى أن أحداث الفيلم بمجملها عبارة عن حوار طويل خاضه البطلان على طريقة البشر المعتادة في التواصل عبر الكلام وسرد قصصهما لبعضهما، لكن الجمال في هذه الرحلة الجميلة هو تصوير كل تلك الحوارات المفترضة على شكل رحلة جريئة وجميلة تضمهما معاً وتقربها لأنفسهما أولا ومن ثم لبعضهما، فحتى يفهم كل منا الآخر لابد أن ينطلق من فهمه لنفسه.
مشاهد الفيلم تتناغم مع أحداث قصصه، فمثلاً عندما يغادر البطلان محطة لقاءها بشركاء متوقعين سابقين على نحو صادم عبر السيارة التي ينقلهما جهاز الملاحة فيه إلى المحطات "النفسية" المتعددة يتعرضان لحادث اصطدام بغزال شارد في طريق ريفي هادء يقطعانه في ظلام يلفه ضوء القمر الفضي، الاصطدام أثناء غفلة منهما يصور الصدمة النفسية التي عاشها كلاهما أثناء لقاء شركاءهم السابقين وهذه اللقطات التي تعكس تسلسل استكشافهما لأنفسهما وتصوير مشاعرهم النفسية بمشاهد مقاربة كانت مقاربة ممتازة.
البطل في الفيلم، "ديفيد"، يعيش حيلة رتيبة فرضها فشله في تحقيق حلمه بتكوين عائلة، وهو أيضا ابن والديه الوحيد والمصاب بعلة في قلبه نشأت منذ ولادته وأخفوها عنه وغمروه بنظرتهم المغالية فيه وفي تميزه وكأنه يستحق كل ما في الكون، هذه الاستحقاقية المتضخمة تحيد به عن أي رضا ممكن وتسلمه إلى يأس أبدي ونفور من التعايش مع تقلبات الحياة فتبدو على سيماه الكآبة المستمرة. أما البطلة "سارة" فتغلف فشلها الذريع مع الرجال والإخلاص لهم في علاقة جادة مستمرة بشخصية عابثة غير مبالية، فهي تخشى أن يحيطها شريك ما بالعناية وهو أمر فاتها في طفولتها بعد أن هجرها والدها هي وأمها إلى الأبد مما أفقدها الأمان تجاه الآخرين، حتى تكتشف ألا علاج لنا من البشر إلا البشر أنفسهم.
لا عبرة واحدة يحملها الفيلم في طياتها، إنما هو دعوة لمشاركة البطلين تلك الرحلة الجريئة والجميلة للتعمق في ذواتهما في قالب مدهش من الزمان والمكان مع الأداء الموسيقي والمشاهد الطبيعية التي تتماها مع شعورهما المتقلب أثناء ذلك، هي دعوة لمقاربة حوادث حياتنا وأثرها على نفوسنا كأنها مشاهد في فيلم لابد وأن ينتهي بباب يفتح بينما يُغلق باب آخر، دعوة للفأل والمحاولة المستمرة للعثور على أنفسنا وللعثور على آخرين يشاركوننا رحلة الحياة، هذه التي من المأمول أن تكون رحلة ضخمة جريئة جميلة، حتى لو تطلب الأمر ألا نقتنع تماماً بماذا نريد أو نقوله للآخرين وأن نختار أن نقوله على سبيل التفكير بصوت عالٍ أو أن نُسمع أفواهنا تقول كلاماً ما، وأن نعبر بباب إضافي آخر ما دام هذا الباب يفتح فرصة عبورنا إياه معاً وأن نكون به وبعده، أبداً، معاً. |
