لماذا يجب أن نقرأ الكتب المُعمِّرة؟إذا أردت أن تقرأ بفعالية، فاقرأ كتباً مُعمرة. لكن، ماذا نعني بكتب معمرة؟ إن الكتب المعمرة هي تلك الكتب القديمة، كتب قديمة بقيمة عالية، فيها طاقة كامنة من المعلومات، ذلك لأنها استمرت طوال السنين وقوداً للبشرية، هذه هي الكتب المعمرة، كتب هي كالبحر لكل الكتاب التي تلتها، بحر تصب فيه كل القنوات، فعليك بالبحر وخلِّ القنوات. وأنت تقرأ، فكر بإجابة لسؤال كيف نقرأ؟ وكيف نهضم المعلومات ونفلسفها؟ أي نضعها في سياق حياتنا اليومية، واستخدامها كأدوات لحل مشاكلنا الصعبة والسهلة؟ إن القراءة هي ممارسة لحصد المعرفة مع ثمارها الجمة وهي احتفاء بممارسة أبدية لمحاولات النمو المضطرد. الآن، بعد هاتين الفكرتين، دعونا نفتش عن المشكلة. المشكلة هنا، هي أننا نحن نعرف عمليا كيف نقرأ، تلتقي أعيننا بالكتاب من على الرف، تمتد أيدينا إلى كعب الكتاب، نفتح الغلاف ونقلب الصفحات، ونحن نمشي أو نحن جالسون على الأريكة أو متكئون على الأرض، وإن أعيننا تقفز من كلمة لأخرى، نحن نعرف كيف نقرأ وكيف نكتب ونظن أننا نملك القدرة الكافية للشعور بأننا نطور أنفسنا، لكن الواقع يقول أن ليست عندنا القدرة الكافية على تطوير أنفسنا. لماذا؟ لأن ليس كل من يقرأ يفهم وليس كل ما يقرأ يفهم يطبق ويعمل بما يعلم، وهذه نصيحة الفلاسفة كلهم، من الغزالي حتى مونتاني، في واقع الحال نجد أننا تعوزنا الفعالية في أمرين، القراءة واختيار ماذا نقرأ. ما الحل؟ الحل ليس سهلاً، الحل هو الانخراط في محاولة مستمرة لاستكشاف أماكن أبعد وأجدد وأجود، أن تستمر في محاولة استيعاب وهضم الأفكار التي تراها أعلى من مستوى إدراكك وفهمك، وأن تسعى لوسائل تحفظ بها المعلومات، ومن ثم تطبقها في حياتك. وكل هذه عادات تستغرق الجهد والوقت، هي بحاجة إلى المران ولا شك. إذن، فماذا يعني أن نقرأ؟ ليس يعني مجرد أن تمرر عينيك على الكلمات كما هو موصوف هنا آنفاً، إنما يعني أن تقرأ بفعالية، أن تربط ما تقرأ بما تفعل وتحاول توجيهه في كل يوم تجاه أهدافك وغاياتك، قد تكون غايتك معرفة المزيد عن أمر ما، أو كتابة مقالة، أو تعلم القيام بشيء ما، أو ربما المتعة المحضة فقط. قد يكون الغرض أيضا التأمل والعثور على السكينة! – هنا تأمل حالة تلاوة القرآن - المهم أن تسجل لماذا تقرأ وأن تسجل ثمرة ما تقرأ بالوسيلة التي تناسبك. قبل البدء بالمران على هذا، يجب عليك الاستعداد بالذهنية الصحيحة، كيف؟ أولاً اختر الكتاب الصحيح، هذا الكتاب الذي يجاوب على ماذا تريد أن تعرف؟ أياً كان! كتاب يجيبك على سؤال يقول مالذي يمنعك من أن تنمو؟ الكتاب الجيد هو ذاك الذي يساعدك أن تعرف هدفك؟ بعد هذا؟ ابدأ بسياق ما، قد يكون السياق، كاتباً يعجبك شيء ما فيه؟ أو أن يستهويك سياق الثقافة الحالية؟ أو سياق تاريخي، مثل أن تتساءل عن سبب كتابة هذا الكتاب، سياق يتساءل حول ثقتك بالمؤلف، اختبر فكرة أن الكتب دوما تعبر عن قضية ما أو وجهة نظر شخصية، تساءل عن الأجندات الظاهرة والمخفية في أي كتاب تقرأه. طيب، كيف يمكنك العثور على السياق المطلوب للكتاب المتوخّى؟ ابحث في ويكيبيديا، في المراجعات في قودريدز، تعرّف أولاً وقبل كل شيء على جواب السؤال المتعلق بلماذا، تتبع السياق الذي قادك إليه السؤال، صحيح أنك ترى كل هذه تكاليف واستعدادات مبالغ فيها، صحيح، مع البدايات كل شيء صعب لأنك واعٍ به تماماً، يجدر بك تطوير مهاراتك في هذا لتكون أشياءً تفعلها عبر عقل اللاواعي مثلما تقود سيارة من نقطة ألف إلى نقطة باء بسلام. إن القراءة الفعالة هي سؤال عن لماذا أكثر من كونه سؤالاً عن ماذا؟ ومن ثم تستخلص الدروس منها إلى حياتك. أن تتعرف على المهم والمفيد. أتعلم أن الحمقى يتعلمون من تجاربهم؟ والأذكياء يتعلمون من تجارب الآخرين. وأعظم وسيلة لمكافحة سلوك الحمقى هو أن تقرأ. القراءة ذات الفعالية العالية هي قراءة تتطلب الفعل، الارتباط والتفاعل مع المادة بين أيدينا. أنت تقرأ لتنمو، لتصبح شخصا أفضل، أن تغدو شخصاً يركز أكثر على لماذا حصل ما حصل، ويتتبع أطراف الأسئلة ورؤوسها ثم ذيولها حتى يتعرف على المفيد في أجوبتها، القراءة ليست مجرد حصولك على شيء، الأمر أكثر سعة من هذا. القراءة الفعالة تعني أن تقرأ العناوين والمحتوى بسرعة، أن تقرأ الأجزاء التي تصيبك بالعمى اللحظي المعرفي، تلك التي تجعلك تغمض وتفتح عينيك في محاولة لإدراك المكتوب، كل ما في الكتاب قد يعنيك بطبيعة الحال. ثم إن عليك التنبّة إلى النصيحة المحضة التي تقول أن المقدمات مهمة، لا تقفزها، المقدمات ستساعدك على فتح كل حصون السياق المنيعة. كن فعّالا مع النص، تساءل، لماذا هذا؟ هل هذا صحيح، لا تكن مثل حصان يجر عربة، كن أنت العربة والحصان، معا. أي درس تتعلمه هنا يصب في الربط بين ما تعرفه وما تتعرف عليه الآن. أحد الوسائل العملية الضرورية للقراءة بفعالية تتعلق بالتركيز على القراءة لوقت محدد، مثلا، لربع ساعة ولنصف ساعة بالتناوب وبينهما راحة لخمس دقائق. إن سرعة القراءة فكرة غير جيدة، القراءة البطيئة خيار أكثر حكمة، المهم هنا أن تقرأ كتاباً ممتازاً ببطء خير من قراءة عشرة كتب بسرعة. إن هناك طريقة واحدة لتقرأ كتاباً بسرعة، وهي قراءة كتب أكثر ببطء. الأمر مرتبط بإتقان هذه المهارة، عبر المران الطويل. كبداية، من المتعين طلب المساعدة حول هذا الأمر، اسأل الانترنت، اسأل القراء السابقين، تذكر أنك لن تتعلم دون سؤال أو بحث. مع كل هذا، يجب أن تتذكر أن لك الحق في التوقف عن إكمال أي كتاب، إكمالك الكتاب هو أمر اختياري، فالحياة أقصر من أن تلزم نفسك بإكمال كل كتاب تقرأه دون أن يعجبك ويثير فيك ما يثير. أحد القواعد الطريفة في قراءة الكتب، هي أن تقرأ أي كتاب حتى صفحة معينة محددة، هذه الصفحة تستطيع تحديدها عبر تطبيق المعادلة الرياضية التالية، اطرح عمرك من الرقم مئة، والناتج هو رقم الصفحة الذي يجدر بك أن تلزم نفسك بقراءتها ثم تقرر ما إذا كان الكتاب يعجبك أم لا. لو كان عمرك 39، فالصفحة التي نعنيها هنا هي 100-39=61. انتبه هنا أننا نكبر ويقل الوقت المتاح لنا حتى نقرر أي الكتب يعجبنا وأيها يجب أن نكمله؟ يجب علينا أن نقرر بسرعة. هذا يعني أننا يجب أن نكون دقيقين في الاختيار، أن نكون انتقائيين أكثر مع تقدم العمر، وهذا يستوجب بناء خبرة وتجربة. الأساس في كل ما يراد من موضوع القراءة هو أن يتبلور في ذواتنا من كل ما نقرأ مادةٌ نستطيع إعادة استثمارها والاستفادة منها. خذ ملاحظاتك بأي طريقة تريدها وأنت تقرأ، البعض يسود هوامش الكتاب، ويقول أن الكتاب "لا ينير ولا يتوهج حتى تسوّد هوامشه". بعضهم يستخدم أوراق جانبية موحدة الشكل لكل الكتب، ويحتفظ بها مرتبطة في صناديق، ويعود للكتاب مرة بعد مرة حين يشاء. والوسائل متعددة بطبيعة الحال. مرة أخرى، بعد القراءة حاول أن تطبق وتستفيد. راجع الملحوظات وأعد تدويرها ومشاركة الرأي حولها. ثم اترك الكتاب أياماً وكن كالحال المرتحل بين الكتاب والذي يليه. مجدداً حاول أن تربط الكتاب دوما مع ما تفعل وما تعرف من قبل. اربطه بالأشياء. انظر للكتاب بعد أن تنهيه نظرة أخيرة بانتباه واحتفظ ببطاقة عنه تحتوي اقتباساته كمراجعة. بالقراءة المسترسلة أنت تنخرط في دورة من التعلم والنمو المفتوحة. وعندنا تعيد قراءة ما قرأت بعد سنوات، ستجد الفرص العديدة لصنع الفارق. اعلم أن القراءة أفضل من صحبة بشر وهذا في غالب الأوقات، لأن الكتب مليئة بالحكمة والقيمة وستجعلك تبحث عن أشياء مهمة في حياتك، وستمدك حتى بعلاقات أفضل وتمكنك من أن تقفز للأمام سنوات عدة. إن بين السكينة والقراءة علاقات وثيقة، ويجدر بك أن تبدأ بقراءة الكتب على نمط عشوائي تتبع فيه اهتمامك وغريزتك الفطرية للمعرفة، فتكون مثل حي بن يقظان، تبحث عما يثير فضولك باستكشاف عجيب. وعندما تقرأ اقرأ كتباً ورقية، اكتب عليها واثن أطراف صفحاتها، كأنها علامات مرورك من هنا، وعندما تنتهي اصطف منها ملاحظاتك التي تريدها في ورق موحد واحفظها في مكان ما. رتب الأوراق بعد ذلك بناءً على أنماط، مع الوقت ستتكون لديك أنماط ضخمة منها، هذه كنوز القراءة التي ستستثمرها كيفما تريد، قد تنشر كتاباً، قد تتركها للأجيال القادمة. وآخر النصائح الممحوضة هنا هي الانحياز للتفاعل مع الكتاب الورقي وفيه ثمار ممتازة للغاية، وهذا لا يكون مع الكتاب الرقمي، الكتاب الرقمي ينتمي لعالم الرقمنة والذي لا يزال وفق قوانينه الحاضرة عبارة عن ثقب أسود، التواصل الاجتماعي وأدوات الايفرنوت وكل شيء شبيه بها. يجدر بالكتاب أن يكون فيزيائياً لا ميتافيزيائيا في مبناه، ولا بأس أن يتعدى ذلك في معناه، يجب عليك أن تذكر ملمسه وصفته ووزنه في يدك وتذكر كيف كنت تنغمر به لتشكل معه وعياً واحداً تقريباً، هكذا يجب أن يكون الكتاب، بالذات عندما يكون كتاباً معمراً. |
