هاهنا شخصية خيالية أخرى لإليوت، الشاعر الإنجلوأميركي، شخصية يخترعها عن رجل في منتصف العمر اسمه ألفريد بروفروك ويجعله غالباً مترددًا عاجزًا عن القرار، ويكتب قصيدة كأنها عنه في حوار مع ذاته، كأنه حوار ذاك الذي هو ساكن في جحيم دانتي -كما أورد المقطع إليوت في بداية قصيدته- وهو حوار ذاتي خفي لا يقدر على أن يبوح لأحد به، وكأنه اختار أن يقوله ويكتبه ويصرّح به لطمأنينة علمه بأنه لن يسمعه أحد مثلما لن يستمع أحد لأحد يسكن الجحيم، ولولا ذلك لما باح به. ويحفزني ذلك الشطر المتكرر في القصيدة عن أن الزمن قادم وفي الوقت بقية، ويسوقني حوار متجدد مع صاحب كريم عن هذا الأمر إلى أن أترجمه، وفيه معنى ذلك الشطر معطيات الأمل اليائس، كشعور ذلك الياباني، الذي نجح في حشد كل تلك الإدراكات عما شعر به في لوحة وثم في لحظة توجّد وجد أنه تأخر جدا ولكنه يعطف على أمله اليائس. وأضحك مع شخصية إليوت الذي استخدمها (ألفريد بروفرك) ومع المصادفة في إدراك حيثياتها، حيث أني تابعت ذلك اليوم حلقة من برنامج الدحيح وهو يتحدث عن أزمة منتصف العمر كل هذا جعلني أضحك من مفارقات كثيرة، فالإنسان لا يعيش أزمة منتصف العمر، إنما العمر كله أزمة، لكنه بوسائل العيش المادي والمعنوي يقوم بما يلزم ما وسعه، يحيا في المعنى الذي يصنعه ولا يركن للدنيا التي هي سجن المؤمن وجنة الكافر، فيأمل وييأس، يأمل خيرة الله سبحانه، وييأس من الزخرف وسُقُف الزخرف، فالله يحب العبد الغني الخفي التقي فاللهم عفوك وعافيتك دنيا وآخرة.

الآن هيا إلى الفقرة المُختارة من القصيدة

هلم بنا، أنا وأنت، حينما ينتشر الليل في عرض السماوات

كرجل متجلِّد يسترخي بكسل إلى طاولة؛

دعنا نذهب، إلى تلك السكيك شبه المهجورة،

نبادل الهمهمات

حول الليالي المتعبة في فنادق الليلة الواحدة الرخيصة

ومن مطاعم العمال البسيطة التي تبيع المحّار:

الطرقات التي تتفرع كالنوايا الغادرة للجدالات المضجرة

والتي تفضي بك إلى سؤال ممض

أوه، لا تسل "ماهو؟"

دعنا نزر المكان.

في الغرفة التي تروح فيه المرأة وتغدو

وهي تتحدث عن  مايكل أنجلو.

وبالتأكيد سيكون هنالك وقت

للدخان الأصفر المزلق عبر الطرقات

يفرك ظهره على أسطح النوافذ الزجاجية؛

سيكون هنالك وقت، سيكون هنالك وقت

لتهيئة وجه ليقابل الوجوه التي ستواجهها؛

سيكون هنالك وقت للقتل وللخلق

ووقت لكل أعمال الأيدي

التي ترفق السؤال وتلقيه في حجرك؛

وقت لك ووقت لي

ووقت لمئة لا قرار،

ولمئة رؤية ومراجعة،

قبل تناولنا للخبز والشاي.

العودة للصفحة الرئيسية